الحراك الشبابي في مخيمات لبنان الداعي للهجرة: الدوافع والأسباب

بقلم: جابر سليمان*

اجتاحت المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ بداية العام الحالي ظاهرة اعتبرها الكثير من الفلسطينيين والمهتمين بالشأن الفلسطيني غريبة عن تقاليد الثقافة الوطنية الفلسطينية والصورة النمطية للمخيم الذي طالما تم النظر إليه بوصفه حاضن الثورة وحارس العودة. وتمثلت هذه الظاهرة في بروزحراك شبابي فلسطيني يدعو المجتمع الدولي،وعلى وجه الخصوص الدول الأوروبية، إلى تسهيل هجرة الفلسطينيين، وخاصة الشباب منهم إلى خارج لبنان.

ونتج عن هذا الحراك تشكيل مجموعات شبابية شملت تقريبا المخيمات كافة، من مخيمي نهر البارد والبداوي في منطقة طرابلس إلى مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة في منطقة بيروت، ومخيمي البص والرشيدية في منطقة صور، مرورا بمخيمي عين الحلوة والمية ومية في منطقة صيدا. وتعتبر لجنة “الفلسطينيون الأحرار” التي تنشط في مخيم عين الحلوة من أبرز تلك اللجان. ويسعى هيثم الغزي الناطق باسم تلك اللجنة إلى تنصيب نفسه ناطقاً باسمهذا الحراك الشبابي في المخيمات كافة. وفي هذا السياق جرت في شباط الماضي محاولة للتنسيق بين مختلف اللجان تحت إسم ” إتحاد تنسيق للشباب الفلسطيني المطالب بالهجرة”. لم تكلل تلك المحاولة بالنجاح. ومنذ بدايات مايو/أيار بدأت بيانات الحراك تصدر تحت إسم ” شباب النهوض المطالب بالهجرة”.

لا يمتلك هذا الحراك بنية تنظيمية موحدة أو رؤية سياسية واحدة. وهو في الواقع ظاهرة إحتجاجية تعبر عن الغضب والنقمة على ما آلت إليه الأوضاع المعيشية للشباب في ظل حرمان الفلسطينيين في لبنان من حقوق الإنسان الأساسية، وفي ظل التمييز القانوني والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يعيشه خاصة سكان المخيمات والشباب منهم على وجه التحديد. وهنا لا نستبعد بطبيعة الحال نقمة الشباب على ما آلت إليه أوضاع العمل الوطني الفلسطيني من انقسام وانسداد في الأفق، مع ما يترافق مع هذه الحالة من انفضاض الشباب عن أطر العمل الوطني الفلسطيني وعدم ثقتهم في قدرة القيادات الفلسطينية مجتمعة على تجاوز أزمة  النضال الوطني، ناهيك عن عجزها عن حلّ مشكلاتهم المعيشية.

وليس من قبيل الصدفة أن يبدأ هذا الحراك من مخيم نهر البارد في الشمال ليتمدد إلى باقي المخيمات،حيث لم يتمكن غالبية سكان نهر البارد حتى الآن من العودة إلى بيوتهم وإعادة بناء حياتهم، نتيجة لعدم إيفاء الدولة اللبنانية بوعودها في إتمام إعمار المخيم وتقاعس الأونروا ومعها المجتمع الدولي عن توفير الأموال اللازمة لذلك، فضلاً عن عجز منظمة التحرير والفصائل عن ممارسة الضغوط الكافية على الجهات المعنية في هذا الخصوص.

وتكشف لغة البيانات التي صدرت عن هذا الحراك حتى الآن نبرة الغضب والاستياء والنقمة التي تحدثنا عنها: وهنا بعض الأمثلة: “نحن مطلبنا واضح نريد العيش بأمن وأمان / نريد لشبابنا فرص العمل / نريد الكرامة / ليس مطلبنا التهجير ولكنا نقول إما أن نعيش بكرامة وإما أن تفتح لنا أبواب الهجرة.” وفي السياق ذاته تخاطب تلك البيانات الرئيس الفلسطيني أبو مازن باللهجة الناقمة ذاتها: “كيف تراهن أن يصمد شعبك في مخيمات يحيط بها اللا أمن منذ 65 عاما  دون أن تخترقها تلك الظواهر لتصبح جزءاً من خبزها اليومي / أين هي المؤسسات  الوطنية الفلسطينية في المخيمات التي تساهم في محو ثقافة التسول على أبواب التنظيمات والمؤسسات.”

تعرض هذا الحراك للانتقاد الشديد من قبل الفصائل الفلسطينية داخل المنظمة وخارجها على حدّ سواء واعتبرت تلك الفصائل الحراك ظاهرة غير بريئة وهددت بعض الفصائل بفض اعتصاماتهم بالقوة. ووصل الانتقاد في بعض الأحيان إلى درجة التشكيك بوطنية هؤلاء الشباب، بل وحتى تخوينهم. وأتهم الحراك بأنه يهدف إلى تهميش دور القوى الوطنية من خلال إنشاء أطر جديدة رموزها جيل الشباب في إطار حملة لإضعاف الفصائل الفلسطينية وتحمل في طياتها مشروعاً مشبوهاً لتصفية حق العودة.

من جهة أخرى ردّ الحراك الشبابي المطالب بالهجرة بغضب على تشكيك الفصائل  واتهاماتها له بالتخلي عن القضية الوطنية. ومما جاء في بيان للجنة “الفلسطينيون الأحرار”: “يا أبناء شعبنا، لا يعقل أن تتهم تحركاتنا بأنها غير عفوية وأنها تخدم الصهيونية”. ولا يعقل أن يتهم الشباب بأنهم “صناعة خارجية”. وفي بيان آخر للجنة نفسها رداً على ما جاء على لسان أحد مسؤولي حركة فتح من تخوين للحراك الشبابي المطالب بالهجرة: “هل من يرفع صوته ويقول للعالم بأننا محرومون من كل الحقوق ونريد الهجرة هو مسيّس وخائن، فإذا كنا خونة لماذا تمثلوننا أمام العالم؟ وماذا قدمتم لشعبكم؟ هل حررتم الأرض؟ هل نظرتم إلى الفقراء؟ هل نظرتم إلى شبابنا العاطلين عن العمل؟

في المقابل، حاولت بعض المنظمات والأطر الشبابية المستقلة وحتى المرتبطة ببعض التنظيمات فهم الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذا التحرك وتحليلها، فكانت أقرب إلى تحسس نبض شباب الحراك وتفهم مشكلاتهم من الفصائل. وفي هذا السياق، عقد اجتماع (16/2/2014) في إحدى قاعات مخيم عين الحلوة حضره عدد من المنظمات والمبادرات الشبابية وشباب مستقلون. ناقش المجتمعون المشاكل التي يعانيها الشباب على كافة الصعد واعتبروا أن الحراك الشبابي في مخيمات لبنان ولا سيما في مخيم عين الحلوة “ما هو إلاّ حركة اعتراضية على ما آلت إليه الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعيشها اللاجئون في لبنان ولا سيما قطاع الشباب. وطالبوا بضرورة التحرك والعمل الجاد للضغط على القيادة السياسية الفلسطينية لأخذ مطالب الشباب بعين الاعتبار والعمل على ترجمتها إلى إجراءات ملموسة.” وخرج المجتمعون باقتراحين محددين هما: أولاً: العمل الجاد على تفعيل المشاركة المجتمعية ولا سيما الشبابية منها.ثانياً: العمل على تعزيز وحدة الحركة الشبابية وتوحيد جهودها ومطالبها من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمر شبابي موحّد يخرج بوثيقة تؤكد على مطالب الشباب وتحديد آليات تنفيذها، بعيداً عن المواقف الإعلامية. وأكد المجتمعون في النهاية على تمسكهم بحق العودة.

وفي مبادرة شبابية مستقلة أخرى لتفهم دوافع هذا الحراك والحثّ على ضرورة تسلم الشباب لزمام المبادرة في حلّ مشكلاتهم أصدرت “الشبكة الشبابية” بياناً جاء فيه: “أيها الشباب، لم يعد خافياً على أحد مستوى العجز والتراجع والفساد الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه. أيها الشباب، لستم جبناء ولستم خونة ولن نسمح بأن يقال عنكم ذلك. نعم لقد ضاقت بنا السبل، ولكننا نسأل أنفسنا قليلاً: هل نترك المخيم؟ هل هذا هو الحل الوحيد أمامنا؟ نتركه لمن؟ ما الذي حاولنا القيام به لكي نصنع ظروفاً تساعدنا في أن نكون جيل الحرية والتحرير والعودة؟ هل فكرنا أن نقف ونسأل القيادة أين نحن وأين أنتم؟ هل سألناهم أين سينتهي بنا المطاف؟ هل بادرنا لنغير الواقع؟ وهل نفذت كل السبل ولم يبقى سوى أن نهاجر؟ وفي الختام، دعا البيان إلى التمسك بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وآماله وطموحاته، وخاطب الشباب بالقول: “تعالوا نقف صفاً واحداً، نقدم نموذجاً للشباب الفلسطيني الذي لا يحلم بالعودة فحسب، بل يعمل من أجلها بكل ما في وسعه”.

وموجز القول أنه لا يستقيم فهم الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذه الظاهرة من دون أن نضعها في السياق الوطني العام وأزمة العمل الوطني الفلسطيني، من جهة، وفي سياق الظروف القاسية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في لبنان من حرمان وتمييز وتهميش، من جهة أخرى. هذا فضلاً عن عدم إيلاء القيادات الفلسطينية مجتمعة مشكلات المجتمع الفلسطيني في لبنان، وخاصة الشباب الاهتمام التي تستحقه. وقد أظهرت ردود أفعال الفصائل على الحراك الشبابي قصور نظر شديد في تلمس مشكلات الشباب والإحساس بمعاناتهم. إن إدانة التحرك من دون تفهم أسبابه ودوافعه العميقة ومعالجة المشكلات التي تحفزه وتغذيه ليس إلاّ نوعاً من الهروب إلى الأمام.

وهنا يحضرني قول لأحد القيادات الفيتنامية التاريخية في معرض حديثه عن مشكلات الشباب خلال الثورة الفيتنامية وسبل معالجتها. يقول هذا القائد: “يجب معالجة مشكلات الشباب بمزيج من العقل والعاطفة“.

وهذا ما ينقصنا.

*جابر سليمان: باحث فلسطيني مقيم في صيدا، منسق عام مركز حقوق اللاجئين الفلسطينيين –عائدون- في لبنان، وعضو لجنة الحوار الفلسطيني اللبناني.

جريدة حق العودة العدد 58