محمد المجذوب: خُلُق لا يضاهى

صقر ابو فخر
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ
2016-05-16

لا ريب في أنها مصادفة، لكنها مصادفة مفعمة بالرمز، ها هو الدكتور محمد المجذوب يرحل في ذكرى النكبة الفلسطينية، وهو الذي منح قضية فلسطين عصارة عقله وقلمه وجهده العملي. كان عضواً في مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية وفي لجنتها التنفيذية، ورئيساً لمركز حقوق اللاجئين ـ عائدون، وقد رافقته في مؤسسة الدراسات الفلسطينية طوال خمسة وعشرين عاماً، علاوة على عضويتي في مجموعة «عائدون». وعلى امتداد هذه الفترة، لم أعرف شخصاً بالتواضع الذي جُبل عليه محمد المجذوب، أو بدماثته أو بأخلاقه الرفيعة ونزاهته المعروفة. كان شخصاً آسراً ونادراً، ويكاد هذا الطراز يندثر اليوم في خضم تقلبات الأحوال وانقلاب المبادئ. أما أبو طارق فظل ثابتاً على مثله ومبادئه الاصلية من دون انحياز هنا أو هناك على طريقة رجال الأحزاب، وكم كان يمتعض من فكرة الالتحاق بهذا الزعيم وغيره على طريقة بعض مثقفي هذا الزمان الذي صار فيه المثقف مثل كرة الطاولة، يتنقل بين اللحظة واللحظة، من هذا الجانب إلى ذاك، من غير حرج.
محمد المجذوب من الرعيل الذي جاهد في هذه الحياة جهاداً جباراً حتى صنع لنفسه مكانة علمية وثقافية قلّ نظيرها. وكان في معمعان تلك الحياة، إنساناً محترماً، بل شديد الاحترام والرفعة والتهذيب. وقد عرفته المنتديات الثقافية ومنابر الجامعات العربية أستاذاً لامعاً ودارساً متعمقاً في القانون والدستور والديبلوماسية والسياسات والأفكار الإصلاحية، حتى أنه ترأس الجامعة اللبنانية (1992ـ 1993)، وانتخب نائباً لرئيس المجلس الدستوري في لبنان (1994ـ1997)، عدا مناصب كثيرة جرت إليه ولم يجر إليها البتة.
التزامه قضية فلسطين كان أمراً بدهياً، فهو ابن صيدا، المدينة التي قاتل أبناؤها فوق ثرى فلسطين في سنة 1948. لنتذكر الشهيد معروف سعد الذي أسس مع بعض رفاقه «لجنة الطوارئ» لشراء السلاح والتدرّب عليه ثم الذهاب إلى فلسطين لنجدة أهلها في مواجهة الصهيونية. أما التزامه القومي العربي فهو، بدوره، شأن بدهي أيضاً. ألم تكن صيدا ميناء دمشق؟ ألم تمتد ولايتها مراراً حتى فلسطين، وعاشت عائلاتها منقسمة بين هذا الثغر البحري والمدينة الأم دمشق أمثال الرواس والبزري والددا والديماسي والحريري والبابا؟
يرحل محمد المجذوب في اليوم نفسه الذي رحل فيه صديقه كلوفيس مقصود، كأن سماء العالم العربي في حاجة بعد إلى الكآبة. وها هم أواخر أبناء جيل الفكر والأمل يتناثرون كأوراق الزهر في هذه البيداء العربية. قبله رحل قسطنطين زريق وأنيس صايغ وهشام شرابي وشفيق الحوت ورفعت النمر ونقولا زيادة وإحسان عباس ويوسف صايغ وجورج طرابيشي وكثيرون غيره، واليوم يرحل محمد المجذوب بعد أن ترك في غمار أيامه مآثر كثيرة في الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية وجامعة الرباط واتحاد الحقوقيين العرب والمؤتمر القومي العربي والمنتدى القومي العربي، فضلاً عن نحو سبعة عشر كتاباً، بينها قصة بعنوان «ميرا: ثائرة من بلغراد» (1959). ولعلّه سمّى ابنته ميرا على اسم هذه الثائرة. وهو، بهذا المعنى، أديب مخفيّ ظل يمتلك روحاً صافية ورؤية لا تتطلع إلا إلى الأفق حتى وهو يكتب في القانون والدستور.
محمد المجذوب بات الآن بعيداً في الأفق، وها نحن نرنو إليه ونتذكر لقاءات شتى، ونتحسر كيف أن زهر الرمان تتساقط وريقاته واحدة بعد الأخرى، فيما تلغ الضواري في دماء أبناء شعبه من البصرة حتى اللاذقية. هكذا كانت آلامه في أيامه الأخيرة التي اعتزل فيها الناس بعدما ترك بين الناس ميراثاً من الخُلق لا يُضاهى.