تداعيات الأزمة السورية على اللاجئين الفلسطينيين وعلى حق العودة

اعداد:  د . محمود العلي

لم تقتصر تاثيرات الازمة السورية التي بدات في عام 2011 على الشعب السوري ومقوماته الوطنية بل تشعبت تأثيرتها على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية . كما ان مسار الازمة السورية والذي اتخذ طابعا عنفيا من مختلف اطراف الصراع لم يستثنِ اللاجئين الفلسطينيين من تداعياته على الرغم من السعي الحثيث لدى غالبية الاطراف الفلسطينية على المستوى الشعبي لعدم الانجرار الى الصراع الدائر هنالك . وقد كان من ابرز تلك المحاولات المبادرة التي قامت بها مجموعة عائدون- سوريا في نيسان 2013 حين عقدت بالتعاون مع مركز حقوق اللاجئين-عائدون في لبنان، ندوة تناولت تداعيات الازمة السورية ومخاطرها على اللاجئين الفلسطينين هناك. ان الحوار الذي دار في الندوة التي شاركت فيها الاطراف الفلسطينية المعنية بحياة اللاجئين كالأنروا والهيئة العامة للاجئين العرب ، والفصائل الفلسطينية ، اضافة الى ناشطين وجمعيات اهلية ومدنية في لبنان وسوريا ادى الى  بلورة رؤية مشتركة صدرت في صيغة  نداء جرى العمل عليه في سوريا للنأي بالفلسطينيين عن مسارات الصراع هنالك . والحقيقة ان تلك المحاولة لم تنجح في لجم آليات الصراع من الامتداد الى المخيمات ، حيث اظهر مسار الاحداث وبحسب بيانات حديثة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في بيروت أن ما يقارب من 270.000 لاجئ فلسطيني من سوريا أصبحوا مهجرين في داخل سوريا.كما أشار بيان “الأنروا” إلى أن أكثر من 200.000 لاجئ نزح من مخيمه إلى وسط العاصمة دمشق وحوالى 6.600 في حلب إلى جانب 4.500 في اللاذقية و3.050  في حماة و6.450 في حمص وأخيرًا 13.100 في درعا .ولفت البيان إلى وجود 10.687 لاجئ فلسطيني نزح إلى الأردن، في مقابل 51.300 نزح إلى لبنان. كم ان هناك تقارير للأونروا تفيد بوجود 6.000 في مصر و1.100 في ليبيا و1.000 في غزة وعدد آخر في تركيا وماليزيا وتايلند وإندونيسيا.

ان الحالة التي تعيشها المخيمات الفلسطينية تؤشر الى مخاطر فعلية تتناول الرمز الوجودي للاجئين الفلسطينيين وللمخيمات، ومن اشكال المخاطر افراغ المخيمات وتدميرها، حيث اظهرت المعلومات المتعلقة بالمخيمات التي  نشر جزء منها في موقع وزارة الخارجية الفلسطينية ما يلي:

1 – مخيم اليرموك نزح منه حوالي 85% من سكانه البالغ عددهم حوالي 125 ألف ساكن فلسطيني، انتشروا في مناطق قدسيا وضاحيتها، ودمر، ومخيم خان الشيح وحي الأمين وفي مناطق أخرى من دمشق. ومن هجر منهم الى مخيم خان الشيح في 17\12\2012 يوم هجرة اليرموك، عاد وهجر يوم 13\3\2013 يوم هجرة خان الشيح الى جديده ودمر وقدسيا . كما يذكر ان الكثير من الفلسطينيين هجر اكثر من مره، وكانت اخيرا هجرة من تبقى منهم في مخيم  سبينه حيث انتقلوا الى اليرموك فزاد عدد الفلسطينيين المتواجدين حالياهناك.

-2 مخيم سبينة، بعدما تعرض في 17/3/2013 لقصف عنيف، ووقوع مجزرة راح ضحيتها أكثر من 8 من أبنائه، هجره سكانه إلى مناطق صحنايا والكسوة والسيدة زينب وخان دنون، وتقدر نسبة النازحين من إجمالي السكان البالغ عددهم حوالى 30 ألف ساكن بحوالى 90% من السكان  .

– 3 تجمع الحسينية وأغلب قاطنيه من مخيم جرمانا، يبلغ عدد سكانه حوالى 40 ألفاً ، تعرض لعدة مرات لقصف مدفعي نتج عنه سقوط شهداء وجرحى ودمار، ما دفع 95%  من سكانه الى النزوح إلى مناطق جرمانا وخان دنون وخربة الشباب وغيرها. كما اشار المصدر ذاته الى انه لم يتبقَ داخل التجمع سوى ” 10 آلاف فلسطيني ” حيث نزح العدد الأكبر  من قاطنيه إلى مخيمات آخرى ومناطق أكثر أمناً.

– 4مخيم خان الشيح سكانه بحسب إحصائيات الوكالة حوالي 20 ألفاً تعرض للقصف عدة مرات، ما أدى إلى هجرة حوالى 50% من سكانه، وبشكل رئيسيإلى جديده وعرطوز وصحنايا ودمر .

– 5 مخيم درعا وسكانه حوالى عشرة آلاف، وهو من أول المخيمات التي نكبت بالحرب ويقدر مقدار الدمار فيه ب ِ70% من الأبنية السكنية ونسبة النازحين منه تصل إلى حوالى 95%.

– 6 مخيم حندرات في ضواحي حلب. عدد سكانه حوالى 5 آلاف نسمة غادروا بعد أن جرفته الحرب، ونزحوا إلى المناطق الآمنة، كاللاذقية وحمص وحماه وغيرها.

وفوق ذلك فان الفلسطينيين هنالك عانوا من الاثار الاقتصاديه للخراب في سوريا، فاكثر من 70% من الفلسطينيين فقد مصدر رزقه وعمله، وفقد الكثير منهم ممتلكاته من بيوت ومحلات ومعامل، اضافة الى سكن اكثر من عائله في منزل واحد في محاولة للبقاء وعدم النزوح،  وما لذلك من تداعيات انسانية محبطة تذكر بالنكبة الأولى قبل 66 عاماً . هذا عداك عن تفكك الأسروتشتيت افرادها في اكثر من مكان واكثر من بلد . كما أن المضايقات على حركة الفسطيني النازح من سوريا ومنع دخوله الاردن، ومؤخرا لبنان ومصر يشكلان تمييزا يدفع اللاجئين لمزيد من الاحباط، تؤدي بالكثيرين الى محاولات الهجرة للخارج الأوروبي حيث يواجهونمعاناة الموت غرقا .

ان ما يمر به اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يشكل مدماكا من مداميك الخطر الذي يحيق بمصير اللاجئين الفلسطينين، وخصوصا ما يتعلق بالخصوصية السياسية للوجود الفلسطيني على الاراضي السورية، وما تمثله المخيمات من رمزية لأحد ثوابت الشعب الفلسطيني من بينها مخاطر تلاشيها واندثارها فضلاً عن انهاء رمزية حق العودة الى البلد الام، وما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على قضية فلسطين وثوابتها، حيث أن ما يمر به الفلسطيني اليوم في سوريا ، حاول تفاديه مراراً لأن التجربة الفلسطينية السابقة في الأردن ولبنان ومن ثم العراق وليبيا، تحتم على الشعب الفلسطيني عدم الدخول في أي معترك مسلح كي لا تحدث النتيجة نفسها المتوقعة من قتل ودمار وتشريد وتهجير. وثمة أنباء تتحدث عن تسهيل هجرة فلسطينيي سورية حيث يحظى هؤلاء  بإجراءات سهلة للهجرة والتخلي عن حق العودة ومحاولة تفريغ الحق من مضمونه، وبدء هدم هذا الثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني. وكانت صحيفة “السفير” اللبنانية قد أشارت بتاريخ 3-01-2013 تحت عنوان اسرار إلى أن نازحين فلسطينيين من سوريا يتلقون تسهيلات كبيرة للانتقال إلى الدول الإسكندنافية، إلى جانب تقديم بعض هذه الدول حوافز لفلسطينيين على أراضيها لإجلاء عائلاتهم أو أقاربهم إليها . كما أن النتيجة المتوقعة – في ظل الصور السوداوية التي يعيشها النازحون الفلسطينيون في أي مكان يحلون فيه، أن يسعى هؤلاء بأي طريقة للهجرة إلى أي دولة أوروبية من أجل البحث عن حياة كريمة، وهو الأمر الذي يتم استغلاله مقابل التخلي عن فكرة حق العودة. وفي هذا السياق اصدرت مجموعات شبابية فلسطينيةفي مطلع العام الحالي عريضة موجهة الى الأمين العام للأمم المتحدة تطلب فيها منه مساعدة ابناء مخيم اليرموك على اللجوء الانساني الى الدول الأوروبية ، ما يمثل دعوة لتحفيز اللاجئين الفلسطينيين للهجرة الى الدول الأوروبية ، وهي دعوة لا تسير في الاتجاه الصحيح لحماية الشعب الفلسطيني في سوريا. واللافت ان هذه الدعوة وجدت صدى ايجابيا من بعض شبيبة المخيمات في لبنان ، حيث بادرت مجموعة من الشبيبة الى الدعوة في نفس الاتجاه .

وكان مسؤول أردني كشف النقاب لصحيفة “الحياة” في الثالث والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) 2012، عن اتفاق جديد بين بلاده ومنظمة الهجرة الدولية، يقضي بتجهيز مخيم للأجانب القادمين من سورية بمن فيهم الفلسطينيون، لتنظيم التعامل معهم، إما بإعادتهم إلى بلدهم الأصلي أو تسفيرهم إلى بلد ثالث أو عودتهم الى سورية، بحسب ما تقرره المنظمة الدولية. ويعيد التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سورية إلى الأذهان قضية الفلسطينيين الذين فروا من العراق بعد الغزو الأميركي، حيث ظل نحو 300 منهم في الصحراء الفاصلة بين الأردن والعراق لسنوات حتى نقلوا إلى البرازيل، اضافة الى المجموعات الأخرى التي جرى اعطاؤها حق اللجوء في السودان وأيسلندا وتشيلي. ان ما سبق يمثل احدى الدلالات على المخاطر التي تواجه اللاجئين وحقهم في العودة حين تبادر الاطراف الدولية ممثلة بالمفوضية السامية للاجئين الى عرض حلولها لقضايا اللجوء التي لا تشمل أو تتناول حق العودة لعدم قدره المجتمع الدولي على تنفيذه.

ان هذا الوضع يفرض مسؤوليات على هيئات المجتمع الفلسطيني بكافة تركيباتها تتمثل في العمل على ابعاد المخيمات الفلسطينية في لبنان عن اي روابط بالأزمة السورية والهيئات التي لها علاقة بالأزمة.  كما ان العمل على حماية اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يتمثل في عدم الانجرار الى الصراع الدائر هنالك ، والعمل على توفير أماكن أمنة للفلسطينيين هناك، كي لا يواجهوا معضلة النزوح وما يرتبط به من اذلال وعدم احترام للاجيء الفلسطيني، أو تقييد تحركاته في كثير من الدول، كما حصل في الاردن ومصر وليبيا ولبنان وغيرها من الدول، حيث لا يحظى اللاجئون الفلسطينيون بالمعاملة التي يتلقاها المواطن السوري .  وهذا الأمر يفترض القيام بحملة تعمل على حماية اللاجئين ومخيماتهم من خلال العمل على تنفيذ ما يلي :

  • الضغط على الأمم المتحدة ممثلة بالأنروا والتواصل مع الدولة السورية ممثلة بالهيئة العامة لشؤون اللاجئين العرب لتوفير الحماية الأمنية والمعيشية  للفلسطينيين المقيمين في سوريا، والعمل على اعادة المخيمات كبقع آمنة في سوريا بعيدة عن جميع اشكال النزاعات الدائرة هنالك . والتأكيد على رمزية المخيم كمرحلة انتقالية قبل العودة إلى فلسطين.
  • العمل مع كافة القوى الوطنية على محاربة مشاريع التوطين ورفض الدعوات الى الهجرة . والتأكيد أن الحديث عن توطين اللاجئين ودفعهم الى الهجرة الجماعية هنا أو هناك يخالف أهم المبادئ والقواعد الآمرة في القانون الدولي، وهو مبدأ حق العودة وتقرير المصير .
  • تأليف لجان للدفاع عن حق المخيمات في الأمان الانساني والاجتماعي في جميع المناطق التي اضطر الفلسطينيون الى اللجوء اليها .
  • تشجيع اللاجئين الفلسطينين الذي ارغموا على النزوح على العودة الى سوريا ، والعمل مع الأنروا والهيئات المختصة على توفير خدمات اساسية واماكن سكن بعيدة عن مواقع النزاع، تمهيدا لاعادتهم الى بيوتهم في المخيمات التي نزحوا منها.
  • الضغط على الدول المضيفة  في سبيل تحسين ظروف العيش للنازحين الفلسطينيين من دون تمييز بحيث يعاملوا معاملة النازحين السوريين.